ما بين "المشتركة" وم.ت.ف

مقالات عامة
الكاتب: 

ميساء أبو زيدان

كاتبة حره
الثلاثاء, مارس 30, 2021 - 06

حَظِيت انتخابات الكنيست الإسرائيلي الأخيرة بمتابعة واهتمام أطرافاً عديدة وبمستوياتٍ مختلفة، تلخصت نتائجها من منظورنا الفلسطيني- العربي بنقطتين بارزتين؛ سيطرة اليمين على المشهد الإسرائيلي أولاً، وتوجهات الناخب العربي ومداليل توزيع أصواته لصالح القوائم المُتنافِسَة ثانياً. وأُلحِقت تلك المُتابَعات بمحاولات البحث في انعكاسات النتائج على المسار السياسي في المنطقة، بِظل امتلاك اليمين على مستوياته (اليمين، اليمين المتطرف، اليمين الفاشي) للقرار الإسرائيلي. 

بالموازاة؛ يجهد الطرف الند (بالصراع) لتوفير المناخ الموائِم لإجراء انتخابات بإمكانها أن تُفضي ما يُمكِن الكيانية الفلسطينية من المضي قدماً بظل المتغيرات التي طالت المنطقة والإقليم، كما العالم الذي يشهد تنازع قِواه بهدف تحديد ملامحه الجديدة، مدفوعاً بما تسببت به جائحة كورونا وما أدته بالإطارين الاقتصادي والسياسي تحديداً. وهنا؛ تبحث كافة الأطراف المعنية بالصراع العربي- الإسرائيلي (الذي يُقزَّم بمستوى أزمة) بالسيناريوهات المُحتَملة لنتائج الانتخابات المُتَوقعة بمرحلتها الأولى (التشريعية).

الكثير تناول نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة أرقاماً، وكيف من المُتوقع أن تستثمر قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف الموقف الذي عَصَفَ بـِ "المشتركة" والجماهير العربية في الداخل المُحتل، فلا قراءة تشير لارتباط تلك النتائج بما استوجبه سابقاً قانون (يهودية الدولة) إسرائيلياً من سياسات ومناخات حاضنة له، ولا ربطاً موضوعياً يجمع بين أجزاء الصورة المتناثرة على امتداد منطقتنا العربية لصناعة الإرهاب، وأذرعها التي اتخذت من البُعد العقائدي صبغةً لها، وبين توظيفها خدمةً لتحويل الصراع من سياسي جغرافي لعقائدي إثنولوجي، ولا قراءة فنَّدت لماذا أعاقَ (منصور عباس) مُضيّ الجماهير العربية على المسار النضالي بشقيه: الحق بالمواطنة الكاملة والمساواة، وحماية الهوية الوطنية كونهم جزء أصيل من الشعب العربي الفلسطيني.

ومما يبدو، فقد أبرزت تلك التقديرات والتفسيرات المُتداولة والتي اختصَّت مسار الانتخابات لدى الطرفين ولا زالت، وقراءات المتخصصين والنُخب لِنتائج الإنتخابات الإسرائيلية، إشكاليةً لطالما أصابتْ الوعي الجمعي ألا وهي اجتزاء المشهد الراهن بمناحٍ متناثرة والأخذ به بعيداً عن ميدانه الأساس، في استمرارٍ ممنهج من قِبل القوة الاستعمارية لتشتيت المُشتت وتجزئة المُجزأ عبر سياساتٍ وأدوات وأساليب متنوعة. بالمقابل؛ وبذات السياق يمكن القول بأن فلسطين (الأرض) تشهد انتخابات تتباين في مراميها وميادينها وقواها المُنخَرِطة وناخبيها، إلا أنها ورغم حِدّة التباينات تلك التي تُظهرها تمتلك مُشتركاً فيما بينها، يتناوله كل طرف بما ينسجم ومصالحه، ألا وهو حق الشعب الفلسطيني في الوجود وهويته الوطنية، الشعب الذي لم يتجاوز بالنسبةِ لبعض الأطراف وصفَ "سكان" !

وإشارةً لما سبق؛ تأتي القراءات (على موضوعيتها) التي تناولت ما أصاب "القائمة المُشتركة"، حيث تراجعَ عدد المقاعد التي حصدتها من خمسة عشر مقعداً في الكنيست الأخير لستة مقاعد فقط، دليلاً قاطِعاً على تلك الإشكالية. سيّما وأن العديد تناول الموقف بحدود توجهات الناخب العربي فقط، بل إن البعض رهنها بتوجهات وأبعاد الشخصيات المعنية! بذات المدارك واللغة يتم أيضاً تناول المجريات التي تزدحم بها أروقة وما يحيط بالفصيلين الأكبر فلسطينياً حركة "فتح" وحماس، ما يعكس عمق الأزمة التي يمرّ بها الوعي العام، وحجم ما افتقدته فئة (النخب) دوراً بالإطار الفلسطيني، ما ارتدّ سلباً على مكانة القضية الوطنية حتى بين أصحابها المُثقلين جراحاً.

تمتلك المعطيات المرتبطة بالانتخابات الفلسطينية بمداليلها من الأهمية الكثير، ولتفاصيلها الدور الكبير في تحديد ملامح المشهد القادم، لكن وحسبما يبدو فإن الانغماس بها بعيداً عن المعترك الأساس سيُفقد أطرافاً أساس (فلسطينياً وعربياً) البوصلة اللازمة لتحديد كيفية إدارة الأزمات والتصدي للمشروع الإسرائيلي التطهيري التوسعي. فكيف أمكن تجاهل ارتداد نتائج انتخابات الكنيست على مسار انتخابات المجلس التشريعي! حيث اليمين الإسرائيلي المتطرف يسعدى جاهداً لتمكين ما يخدم روايته وتوجهاته في الميدان الفلسطيني، وتوظيف الأزمات بالمحيط العربي لرؤيته ومصالحه. 

يواجه الشعب الفلسطيني بأماكن تواجده سواء كان في الداخل المحتل أو الأراضي التي احتلت عام 1967 أو في الشتات صنوفاً من السياسات العنصرية التطهيرية. وبعبارةٍ أخرى، فإن استهداف الوجود الفلسطيني واحدٌ بغض النظر عن الميدان والأساليب المُتّبعة لذلك، ما يتطلب أشكالاً نضالية تتكامل وتتوحد على ذات الهدف لحماية وجوده شعباً على أرضه وصون هويته الوطنية. فمَن استَهدَفَ "المشتركة" وتقدمها سيواصل استهداف منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) ومكانة وأدوار قِواها الوطنية، خدمةً لمشروع اليمين الإسرائيلي المتطرف المُتصل باليمين الشعبوي وتوجهاته حول العالم. ما يحيل السؤال الهام للحركة الوطنية الفلسطينية (رغم انكفائها للخلف) بمكوناتها وبمقدمتها حركة "فتح" : هل يجوز الاستمرار بالتعاطي مع استحقاق الانتخابات من المنظور المحدود المُتَداول، أم بالإمكان ربطه بمستوى الصراع ومناحيه ومتطلباته؟