محطات في قطار الحياة

مقالات عامة
الكاتب: 

نسرين حلس

رئيس التحرير
الاثنين, فبراير 24, 2020 - 06

 

ويمضي بنا قطار العمر متوقفا في محطات كثيرة، وفي كل محطة تخطها أرجلنا نترجل من العربة لنلتقي بوجوه جديدة كثيرة تمر علينا، منها من يعلق بالذاكرة ومنها من يكون عابر سبيل ومع ذلك تبقى جميع الوجوه مخزونة في ذاكرتنا في محطات عدة . إلأ أنه لنا مع بعض الوجوه حكايات ومواقف مؤثرة لابد وأن تكون قد أثرت فينا تأثيرا كبيرا، فتحدث في شخصيتنا تشكيلا جزئيا طفيفا كان أم بالغا، وذلك يحدث لنا لا شعوريا وبدون أن نختار. فيتسبب الأمر في صقل شخصيتنا ويضيف في بنيانها حجرا جديدا ليكتمل بذلك شكل البنيان وذك بسبب حبنا وانبهارنا بهم واعتبارهم مثلا أعلى لنا. فأن نتأثر بالآخرين لا يعني اننا ضعيفين الشخصية وسهل قيادتنا .. ولكن ذلك يعني مقدار أهميتهم في حياتنا وأنهم مصدر للثقة وللثقافة والمعرفة والتجارب أيا كانت صفاتهم 

 

وكانت أول محطة توقف فيها قطار عمري هي والدي ووالدتي هاتان الشخصيتان العظيمتان بعطائهما" بابا وماما " لا أستطيع أن أتحدث أو أفاضل بينهما فذلك يشعرني بالذنب . فلا الشمس أجمل من القمر ولا القمر أفضل من الشمس. ولكن كلاهما مكملان لبعضهما. مزيج برغما اختلافهما متفقين. فقد ساهم الطرفان في رسم جزء كبير من شخصيتي التي أنا عليها اليوم. فذك هو السيد فاروق حلس والدي العزيز رحمه الله. الذي كان رجلا صارما قويا ، ذو عنفوان كبير في قومه ذو بأس شديدد. لكنه امتلك الحكمه فكان حكيم قومه، وأمي تلك السيدة الجميلة التي اختلف معها دائما، إلا أنها تحمل بين أضلعها قلبا رحيما مملؤا بالحب والشفقة والحنان المتفق كالنهر وذلك التسامح الذ لا حدود له وعلى الرغم من ذلك النقيض بين أمي وأبي إلا أنهما أشتركا في صفة واحدة وهي قول الحق وعدم التخاذل ونصرة المظلوم وإحترام الأخرين .فتربيت أنا واخوتي على قول الحق والوقوف مع المظلوم

 

ولم يكن والدي ووالدتي إلا المحطة الأولي والمستمرة في حياتي التي كان ومازال قطار عمري يمر بها كثيرا، لكن كان دوما هناك محطة أخرى مهمة أثرت في حياتي العمليةوأثرتها ورسمت جزء ا كبيرا مهما في شخصيتي المهنية، دعمتنى في الخفاء وقفت بجانبي ساندتني ومنحتنى القوة والثقة والإرشاد لتدلني على الطريق والإختيار الصحيح بعد أن آمنت بي كشخصية صحفية نشيطةفاعلة مؤثرة وتوقعت لي مستقبلا مهنيا مشرقا

 

أنه الدكتور "محرز الحسيني" الذي كان لي شرف لقاءه والعمل معه هنا في الولايات المتحدة الأمريكية في صحيفة المنصة العربية الصادرة من نيويورك من العالم 2008 حتى العام 2016 في بلاط صاحبة الجلالة إلا أن علاقتنا وصداقتنا أستمرت حتى اليوم.فبالرغم من أنتهاء عمل الدكتور الحسيني من العمل الصحفي واكتفاءه بالعمل الأكاديمي إلا أن دماء الصحافة والكتابة مازالت موجودة في جيناته ويمارس توجيهاته معي ويشجعني دوما بالإستمرار ويمنحتى الإرشاد الأبوي السليم ولا يبخل عليا بالنصيحة

 

ولمن لا يعرف الدكتور محرز الحسيني فهو لواء بحري سابق في القوات البحرية المصرية وشارك في حرب 1967 وحرب الإستنزاف وحرب اكتوبر 1973. وخرج من البحرية لتأسيس المتحف البحري القومي المصري في الإسكندرية وأول من وضع مصر على خريطة الآثار الغارقة. وانتشال تمثال إيزيس. كما أنه أستاذ العلوم السياسية وله إهتمام خاص بدراسة ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني، ورئيس تحرير صحيفة المنصة العربية سابقا الصادرة في نيوجرسي ومدير المركز الأميركي العربي للحوار والدراسات الإستراتيجية  درس في العديد من جامعات نيويورك، وله العديد من المؤلفات السياسية والإقتصادية الصادرة من دورالكتابة والنشر في لندن. تخلى عن العمل الصحفي في العام 2016 عندما عاد إلى بلاده مصر واستقر في مدينته الإسكدرية وعاد لإستكمال مزاولة عمله الأكاديمي  في التدريس في "مادة علم الجيو بولوتيكس والامن القومي" واستكمال كتابة كتبه ذات الصبغة السياسية والإقتصادية

 

فمنذ أن بدأت العمل الصحفي مع الدكتور الحسيني في بلاط صاحبة الجلالة وتوجيهاته لم تنتهى. أول من آمن بي وسلم لي قسم التحقيقات وجعلني رئيس مكتب التحقيقات الخاصة ثم بعد سنتين من العمل قدم لي دور نائب رئيس تحرير صجيفة المنصة العربية وعلمنى خطوة خطوة كيفية إدارة الصحيفة الورقية وكيفية الكتابة واستنباط الأفكار شخصية دؤوبة عملية جدا محبة لوطنها 

 

وعلى الرغم من الفارق الزمني والعمرى بيني وبين الحسيني إلا أنه كان شخصية ديمقراطية في عمله يعطى مجالا للتشاور والأخذ بالرأي فيما يريد أن يفعل ولا يخجل السؤال فيما لا يعرف كيفية ولا يبخل في إسداء التوجيه والنصيحة متى أحتاج الأمر

 

لازلت حتى اللحظة أذكر ذلك اليوم عندما كنا فيه في حضور المؤتمر الذي نظمته صحيفة المنصة العربية الرعي الرسمي للمؤتمر. و أقيم المؤتمر في مدينة نيوجرسي الأمريكية. وكان قد حضره العديد من الشخصيات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما حضره بعض الصحفيين المصريين من مصر منهم الإعلامي جمال عنايات، وعادل حمودة وضياء رشوان مع الفنان حسين فهمي وفور دخولهم أخذني الدكتور الحسيني من يدي وقدمني للحضور وتوجه بالحديث لهذا الوفد وخاصة الإعلامي جمال عنايات قائلا :” أقدم لكم الإعلامية الواعدة نسرين حلس وهي صحفية عربية أمريكية من أصل فلسطيني وتعمل معنا في صحيفة المنصة العربية قال بالعامية (البنت دي شاطرة جدا وذكية ومجتهدة، أتوقع لها مستقبل إعلامي باهر وانا شخصيا متبنيها فأرجو منكم دعمها ومساندتها) انصبت كلماته كالرصاص في أذني فلن أنساه ما حييت

 

ولم يكتفي محرز الحسيني بذلك بل كان ومازال دوما يلح علىا بإصدار كتابي وأنه لا يجب فقط الإكتفاء بالعمل الصحفي بل التحول لكاتبه وله مقولة مستمره ومشهورة معي قائلا" لن أعتبر نفسي قد نجحت إلا عندما أري إصدار كتابك الأول، عندها فقط سأقول اليوم نجحت معكى" الأمر الذي يشجعني ويحمسنى كثيرا للكتابة فوجدت نفسى مع الوقت أفكر كما يفكر هو وأستمتع في الكتابة وأنا أكتب لأنني أكتب من داخلي وأعرف جيدا أن هناك من يريد أن يرى ذلك الإنتاج ومتحمس له

 

الحقيقة أن كل الكلام الجميل وعبارات الشكرعن تلك المحطة لا تكفي . فهو شخصية رائعة بناءة جدا أثرت كثيرا عليا في عملى الصحفي والمهنى كما أن الدخول معه في نقاشات كثيرة لعدة مواضيع من عدة جوانب أثرت عقلى كثيرا وازددت علما وثقافة ومعرفة بوجودي معه ما أعطى شخصيتي زخما كبيرا من المعلومات التي غيرتني وغيرت مفهوم الحياة في نظري ومفاهيم كثيرة أصبحت أراها من منظور أخر . لكن مؤكد ذلك لم يلغى منظوري المكتسب من والدي ووالدتي أو حتى جميع المحطات الأخرى ولكنها هذبتها وشذبتها فخرجت من عقلى وقلبي مفاهيم أخرى جديدة لتكون اليوم أمامكم نسرين متطورة تتطور بتتطور الزمن والحياة

 

وأخيرا لأكون منصفة عليا الإعتراف بأنكل شخصية قابلتها في حياتي ساهمت كثيرا في تكوين خبرات جديدة لي أضيفت لخبراتي السابقة وموروثاتي فنتج عنها نسرين الجديدة التي تتجدد كل يوم ، بكل ما هو جديد. فكل جديد يثري شخصيتنا وكلما انفتحنا على الأخر كلما زدنا معرفة

 

فشكرا كثرا لكل من علمني حرفا ساعدني في تطوير نفسي وساهم في وجودي بينكم على هذه الصورة